| الثلاثاء 14-02-1443 (21-09-2021)
حنين وذكرى..لأمي الغالية
بقلم: أ/ خالد بن محمد الأنصاري

 

للذكرى صوت يئن في قلبي كلما تذكرت «أمي» فأحن إليها وأتمنى بأن تعود بيّ الأيام إلى الوراء؛ فأكون ذلك الطفل الصغير الذي ينعم بعطفها وحنانها، وها أنا اليوم أكتب بمداد قلمي وخفق روحي عن بعض مآثرها ومناقبها، فهي امرأة عظيمة في دينها وخلقها وأمومتها.

وعندما شرعت للكتابة عنها – رحمها الله – في منتصف الليل والذكريات تعصف بي ؛ شعرت بقلمي يقطر حزناً وألماً وهو يسكب حبره رثاءً (أمي حنيني إليك ينطق القلما) فإن مداد الأقلام لن يكفي لو أكتب به لإرضائكِ ؛ وخفق الروح لن يجزي عبيراً فاح بعطائكِ:

ولـيلـة بت والـذكرى تـؤرقـني

فقدت صوتاً حنوناً ليس ينساني

بحثت عنك كطفل تائه وجل

في كل أمكنة في كل أركاني

هذا مكانك يا أمي يسائلني

كم خلفونا من الأحباب خلاني

فقدت قلباً محباً صادقاً عبقاً

فقدت كـفاً تصد الشر ترعاني

* كانت رحمها الله: طيبة ذات قلب نقي يحب فعل الخير وأهله، وتكره الغيبة والنميمة، وقيل وقال، وتعرض عن الحديث في أعراض الآخرين خوفاً من الله تعالى، وتنأى عن التدخل في شؤون الناس وأمورهم الخاصة حتى أقربهم إليها:

لم تشتغل بحديث الناس معرضةٌ

عن الفضـول بلا إذْنٍ ولا أُذُنِ

لا قال أو قيل في قاموسها أبداً

تلقاك بالبشر لا تخشى من الإحَنِ

* كانت رحمها الله: تحرص على أداء الصلوات في أوقاتها وكثيرة السؤال عن موعد الأذان وقربه، ناهيك عن قيام الليل وصيام النهار، ولم نستطع ثنيها خوفاً على صحتها من صيام النفل والتطوع ؛ بل كانت تجد في ذلك متعتها ونشاطها، وتكثر الجلوس في موضع صلاتها تالية لكتاب الله تعالى من مصحفها ذو الطبعة الكبيرة ؛ حتى نسب بعض أبنائي الصغار تلك الطبعة إليها كلما شاهدوها ؛ ولا تترك وردها منه ليل نهار بعد الفراغ من الأذكار والقيام بالسنن الراتبة:

أمي تمنت كتاب الله تقرؤه

رباهُ فاكتب لها في الذكر والسننِ

أمي وكانت لعمر الله مدرسة

من الفضائل أفياءٌ من الفنن

* كانت رحمها الله: كثيرة الحياء والخجل، لا تنزع الغطاء (الطرحة) من على رأسها أمام محارمها من الرجال والنساء.

* كانت رحمها الله: تعرف بأمانتها وتودع عندها الودائع من الأموال والمجوهرات والحقائب فتحرص عليها أشد الحرص حتى يأتي أهلها لأخذها، مما زاد في حبهم لها وثقتهم بها:

أحبها الناس لم تبذل لهم ذهباً

لكنه الحب من ربي بلا ثمنِ

* كانت رحمها الله: تقدم لنا النصيحة وللآخرين في خفاء، وبطريقة غير مباشرة، وتجعل لها مقدمات دون أن نشعر بأننا المعنيين بذلك.

* كانت رحمها الله: لا تترك سجادتها ومصحفها ومسبحتها وسواك الأراك في الحل والترحال، وإذا عزمت على السفر أوصت بما لديها من أمانات الآخرين، ولم يعرف عنها الكذب حتى في مزاحها، بل كانت صادقة عفيفة اللسان.

* كانت رحمها الله: كريمةٌ مضيافةٌ صاحبةُ قِرى، تحب أن تخدم نفسها في جميع أمورها ولا تتكل على الآخرين، وأذكر في صغري بأنها تقوم بذبح الشاة وسلخها وطبخها عند قدوم أضيافها، وتقوم بإعداد الطعام لهم دون أي عناء وتكدر، بل تقبل عليهم بابتسامتها المعهودة وحديثها العذب ؛ وكل ذلك وهي صابرة ومحتسبة الأجر من عند الله تعالى:

أمي لها قصـةٌ في البذل نـادرةٌ

فسل سِنِيْ عمرهـا عن ذكرها الحسنِ

وسل جوارحها تنبيك عن شأنها

في خدمة الأهل أو من عيشها الخشنِ

* كانت رحمها الله: كثيرة الدعاء ليّ والسؤال عني أثناء سفري، وقد أكرمني الله عزوجل بشرف خدمتها والقيام بشؤونها متعاوناً في ذلك مع أختي (أم عادل) وكانت خدمتها وسام الشرف لنا في هذه الحياة وما زلنا نلتمس بركته في أنفسنا وأبنائنا.

* كانت رحمها الله: تشعر بالآخرين وتحس بهم، وكثيراً ما يصدق حَدْسُهَا ومن ذلك أنه وقع لي حادث سير ذات مرة وتأخرت عن المنزل، وإذا بها تقول: «ابني فيه شيء ..قلبي يؤلمني..لعله حصل له مكروه لا سمح الله»، وكثيراً ما كانت تعبر عما في داخلها من حزن وألم بالجهش بالبكاء..ولا تظهر لنا ذلك حتى لانحزن ونتألم:

أحنا القلوب التي تخفي توجعها

كي لا يمسك من آلامها الألمُ

* كانت رحمها الله: تحب الأطفال وتحن عليهم، وتفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، ولا سيما حين يجتمعون عندها بضجيجهم وصخبهم، وهي تقوم بتقبيلهم وتوزيع الحلوى والهدايا لهم، وكثيراً ما يهدى لها من صويحباتها بعض الهدايا الثمينة فتقوم بأخذ أنفسها وتهديه للآخرين وهي في أمس الحاجة لها.

* كانت رحمها الله: كثيراً ما تستأنس بالجلوس معنا ومع أحفادها، وتحب مخالطة الآخرين والابتسامة لهم والتودد إليهم، وتضرب لنا أروع المثل في الطيبة والتسامح والصفاء والحب والنقاء، وتتفقد أقاربها وجيرانها وأرحامها وأحفادها بين الفينة والأخرى ؛ بالسؤال عن أحوالهم والتصدق عنهم:

أماه كيف سأنسى مجلسـاً عبقاً

وبسمة منك تجلو كلَّ ذي أسَـنِ

أماه كيف سأنسى الأنس حين أرى

ذكراكِ في كل ما في البيت من سكنِ

حين يأخذ الحزن مكانه بعد هذه الذكريات الجميلة ؛ وبعد فراق أمي الحبيبة، أُسَلي النفس بما يبهجها ويدخل السرور عليها من عملها الصالح الذي شاهدناه ولمسناه، وعبادتها التي رأيناها وسطرت شيئاً عنها في هذه المقالة على عجالة، فستظلين يا أماه دائماً وأبداً في ذاكرتي، وأسأل الله تعالى أن يغفر لك ويرحمك وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنان، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عدد الزوار : 279080
السيرة الذاتية

صفحات الأنصار من أوائل المواقع التي قامت بالتعريف بالأنصار عامة وآل نافع منهم خاصة منذ إتاحة خدمة الانترنت للجمهور في…

المزيد
مقالات
عدد الزوار : 279080