| الثلاثاء 14-02-1443 (21-09-2021)

بمناسبة المؤتمر العالمي  عن الإرهاب والذي عقد في الرياض يوم السبت 25/12/1425هـ  

 

(دور العلماء في تعزيز الأمن الفكري لدى الناشئة  ) مرتضى الأنصاري

 

تلاميذ اليوم شباب ورجال الغد لديهم من الفهم والإدراك والقدرة على الاستنتاج والمقارنة والموازنة  وكشف التناقض والتباين مالا يوجد عند قرنائهم من الأجيال السابقة ،وهذا راجع إلى تعدد وتنوع مصادر التلقي عندهم بخلاف أسلافهم فالشاب اليوم يتلقى المعلومة من شبكات التواصل ،والشارع ومن الصحف والمجلات و الأشرطة بأنواعها والاسطوانات بأنواعها ومن الكتب والقنوات والإذاعات (بمقدميها ومذيعيها ومفتيها ومحلليها)، ومن الحاسبات والشبكات المعلوماتية، ومن المساجد والجوامع، ومن البيت والأقارب والأصدقاء والأنساب، ومن الجيران ،ومن المنتزهات والاستراحات،ومن المصادر والرموز الفكرية والحزبية الخارجية، ثم من المدارس والكليات والأنشطة المصاحبة للمواد التعليمية …

 

إذن لم يعد ينتظر التعليم والمعلومة من جهة محددة، ولذا وجب على كل من يتعامل مع الطالب أو الشاب أو السائل أن ينطلق من هذه المسلمات ويحسب حسابها حتى يحافظ على كرامته ومصداقيته أمام هذا الصغير أو الجاهل -في نظره-الذي لن تنطلي عليه التناقضات والتباين  بين أفعال  (الكبير) السلوكية ،(العالم) ، ( الأستاذ ) (المرشد ) ،(المفتي )، (صاحب أي مقام ) ..،وبين أقواله التي يتشدق بها…

 

وهنا مسائل يجمل بكل عالم أو أستاذ أو مفتي أو محلل أن يجعلها نصب عينيه لتعزيز الأمن الفكري لدى شبابنا:

 

1- تجسيد القدوة العملية والأخلاقية قولا وعملا ، وتصدر وسائل الإعلام وأن يبرؤوا ذممهم أمام الله وأمام الأمة وإلا سجل التاريخ أنهم كتموا العلم وركنوا إلى الدنيا وملذاتها….فالخطب جلل فالخطب جلل فالخطب جلل !!!؟؟

 

قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه….) الآية 81 من سورة آل عمران وكذلك الآية 187 منها (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) وغيرها من الآيات التي لا تخفى على أحد من المسلمين ومن باب أولى أن تخفى على مصابيح الدجى من ورثة الأنبياء فإن الرائد لا يكذب أهله…!؟

 

2- العمل على ضمان الحد الأدنى من الثقة والمصداقية والواقعية بفعل وقول ما يؤدي إلى ذلك بعد مراعاة  أحوال المخاطبين وظروفهم الزمانية والمكانية، واحترام عقولهم ومفاهيمهم…

 

3-المشاركة في الواقع والمستجدات اليومية وعدم التحفظ أو إرجاء الرأي إلى حين انكشاف الغمة ، وقد يحتج بعض الغيورين بأن السكوت حكمة والحديث حكمة ،فنقول لهم إذاً البحث عن بدائل أيضا حكمة ،ولا يلوم أحد في حال صدور بيانات جماعية موقعة قد يعدها أولئك الغيورين  تجاوزا للهيئات الرسمية..فنحن في عصر السرعة والمنافسة والبدائل والمتردد والحيران لا وقت لأحد كي ينتظره إلى حين خروجه من حيرته، ولنا أن نتساءل هنا كيف ظهر رجال وطارت سمعتهم في الآفاق واشتهرت آراؤهم وتأثر بها من تأثر بينما ظل آخرون متقوقعين متحفظين بالمثل البليد:هذا زمان السكوت ولزوم البيوت..!؟  أتساءل بحرارة أين علماؤنا الأجلاء أليسوا أجدر بالظهور ،وكسر جدار الصمت المريع ،والحديث عن كل حدث وحديث،وبيان الحق فيه…إن الخوف والتحفظ على بعض الأسئلة يقوي فهم السائل والمتشكك والحيران! ، لماذا لا يتم الجواب على كل التساؤلات بدون تحفظ وكل واحد غير مطالب بغير ما يؤمن أو يعتقد أم أننا نعتقد أمورا لا يجوز لنا التحدث عنها أليست هذه هي عقيدة التقية التي لا تجوز إلا في حال الخوف الشديد من بطش العدو الكافر بالمسلمين..!؟

 

4-لا أعلم أن أهل الحق يلزم ألا يشاركوا إلا  في مجالات محددة ومواقع معينة!؟ فالمشاركة مطلوبة في كل المجالات والوسائل الإعلامية المختلفة، ومع جميع الطبقات والفئات والمستويات وهي من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل قبله ومن التواضع،ويتيح لصاحب الحق التعرف عن قرب على احتياجات المجتمع الإصلاحية ،ولا يتحقق ذلك من الأبراج العالية…

 

5-هناك أمور(حساسة!) لا تعالج في الظلام أو بالسكوت والتحفظ وذلك كعدم الإفتاء بمذاهب المسلمين الخمسة وما رجحه أهل الاجتهاد منها،أو ترجيح العالم المعاصر لبعضها بعد عرض الأدلة وأراء من سبقه من العلماء ،وألا ينكر إلا المنكر….ولا يحسن بموقعنا من المسلمين ومكانتنا التاريخية في نفوسهم أن نفتي الملأ وعبر القنوات والإذاعات المنقولة فضائيا للعالمين بمثل: لا نرى مانعا من ذلك ،أو لا يظهر لنا  ما يمنع من ذلك أو افعل ولا تفعل أو أرجو ألا يكون عليك حرج…الخ أو تخصيص الفتوى أو الجواب بشريحة معينة من المسلمين بينما البرنامج يسمعه أو يشاهده المسلمون من كل أنحاء العالم،فبعض أهل العلم لم يستطع التخلص من دائرته الإقليمية أو الوطنية والأحادية في الدين والمذهب والفكر! رغم الانفتاح الذي شهده العالم في كل شيء إلا في عقول وتفكير بعض أهل الحق،! وهذه من أعظم التناقضات الدالة على التقوقع على الأنا والذات والنظرة الأحادية  …؛فعالمية الدعوة والإسلام وشموليتهما سبقت عالمية الحضارة الغربية بقرون….

 

6- التصدي لبعض الظواهر الخطيرة والتهم المقلقة بدون حرج أو استحياء حسب قناعة العالم أو المعلم أو الأستاذ.. وما يؤمن ويعتقد وما تبرأ به ذمته آخذا في الحسبان أن الرائد لا يكذب أهله.. وذلك مثل اتهام العلماء بتسخير الدين والمذهب والفتوى لخدمة الأغراض السياسية وإيجاد المسوغات والمبررات للقرارات السياسية،والحكم على ردة أوكفر من يناقش القرارات والأنظمة السياسية..، ومن ذلك ظاهرة الغلو و قضايا التكفير وشركات (المكفراتية!) غير المحدودة وظاهرة الانقسامات المذهبية والحزبية.. ،وظاهرة الإقصاء من الدين والعقيدة بمجرد الاختلاف في الفروع وأحادية الرأي الفقهي  والفتوى واحتكار الدين واختزاله في رأي عالم أو عالمين ..وادعاء السلامة ..وإذا أخطأ العالم في اجتهاده فلا أعتقد أن ذلك يجعله محلا للوم والمؤاخذة بعكس السكوت والإحجام عن الاجتهاد والمشاركة…

 

7- سد الفراغ الروحي والعقلي والنفسي والفكري والثقافي والسياسي والعلمي والأدبي والاجتماعي والرياضي والترويحي..،  وإشباع حاجات المجتمع العلمية والنفسية والتربوية والسياسية والواقعية… بسائر فئاته وطبقاته ،ولا تترك له فرصة البحث عن ذلك عند الآخرين لأن المجال الآن صار فيه منافسون وبقوة،ومن همه أمر بحث عنه في بيته ثم إذا لم يجده بحث عنه في مظانه..!؟

 

8-الشجاعة والجرأة في إيضاح ما للراعي والرعية من حقوق ،والوضوح في الأهداف الإصلاحية وأنها للإصلاح والإصلاح فقط وليس لمنافسة الحاكم أو الراعي أو ولي الأمر لإزالته وسلب موقعه..! فليس هذا هدفا منطقيا أو شرعيا يؤسس عليه الإصلاح ما داموا مسلمين يشهدون بلا إله إلا الله محمد رسول الله  ويؤدون شعائر الدين الظاهرة؛ بل حكام المملكة بوجه خاص مشهود لهم بالتمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة ،والالتزام بالقرآن والسنة دستورا للمملكة والالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضامن مع المسلمين ونصرة قضاياهم  ومنجزات دولتهم  الحضارية الجبارة في تأسيس أرقى دولة حديثة على سعة مساحتها في وقت قياسي جدا ماثلة للعيان.

 

9-الأفكار الغريبة على مجتمعنا والتي يؤمن بها بعض الشواذ من شبابنا مثل الإلحاد والغلو والتطرف والإفساد في الأرض،بعد ممارسة الأمر الأخطر وهو التكفير..!؟ هذه الأمور هي  ردت فعل نتجت عن غياب المرجعية الدينية في الفترة التي غاب فيها بعض العلماء والدعاة الثقات عن الساحة وفي نفس الوقت قابل ذلك  جفاء من جهة هؤلاء الشباب المتطرف ومن جهة العلماء الموجودين في الساحة وعدم وجود نقاط التقاء بين الطرفين لإزالة الشبهات التي في أذهان هؤلاء الشباب،حيث يمارس كل طرف إنكار الآخر وإقصاءه فهؤلاء الشباب يعدون هؤلاء العلماء علماء السلطان وبالتالي ليسوا جديرين بأن يؤخذ منهم أو يسمع لهم ومن جانبهم أعتقد أن بعض علماءنا لا يسعون بشكل جاد لاحتواء وامتصاص غضب هؤلاء الشباب المتطرف  تمهيدا لتصحيح أفكارهم ومحاورتهم بالتي هي أحسن وتوجيههم الوجهة الشرعية الصحيحة، فلو فتح علماءنا المجال لكل صاحب شبهة أو شك أو حيرة ليطرح شبهته ورأيه وفكره وهو آمن مطمئن دون أن يغشى الحكم عليه بالكفر أو الردة أو الخروج…لو حصل هذا لتمكنوا من احتواء هذه الأفكار الغريبة واستطاعوا كذلك تصحيحها وإزالة تلك الشبهات من رؤوس هؤلاء الشباب…ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في هذا عندما  استأذنه أحد أصحابه في الزنا…!ولذلك أشباه ونظائر من سيرته وسيرة خلفائه والسلف الصالح على مر العصور مما تضيق به الصدور إلى وقت قريب من بعض أهل العلم عندنا..

 

10- ثم ليعلم الجميع أن التاريخ لن يرحم المتخاذلين من الرواد والربان والقواد والهداة والمصابيح التي يهتدي الناس بهدايتها ويضلون بضلالها…فلنتأمل قليلا ولنصلح قبل أن يتسع الخرق على الراقع ولا ننتظر الأزمات دائما للظهور فالوقاية خير من العلاج! وهؤلاء أبناؤنا  أمانة في أعناقنا والتطورات في مصادر التلقي لديهم تقتضي من علمائنا الأجلاء ودعاتنا الفضلاء  البحث في تطوير أساليب الدعوة لاجتذابهم واحتوائهم ليكونوا مع أهلهم وذويهم مع الجماعة التي لا يشقى صاحبها بدلا من رفقاء السوء والإفساد من أصحاب الأفكار المنحرفة الشاذة الخارجين من طاعة الوالدين ورأي المجتمع .

رد واحد على “دور العلماء في تعزيز الأمن الفكري لدى الناشئة”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لكم على هذا المقال المهم ولا شك أن دور العلماء في تعزيز الأمن الفكري في المجتمع مهم للغاية وهو ما يثبت أركان قاعدة المجتمع حول ولاة الأمر ويحقق الأمن والاستقرار والرخاء للشعوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عدد الزوار : 279066
السيرة الذاتية

صفحات الأنصار من أوائل المواقع التي قامت بالتعريف بالأنصار عامة وآل نافع منهم خاصة منذ إتاحة خدمة الانترنت للجمهور في…

المزيد
مقالات
عدد الزوار : 279066