| الأثنين 13-02-1443 (20-09-2021)
(ذكرياتي مع أبي)
بقلم: أ/ خالد بن محمد الأنصاري

 

يعجز القلم عن تسطير ما أكنه من محبة وتقدير لوالدي رحمه الله والذي كان لي بمثابة المعلم الأول في هذه الحياة فلكم استفدت من مدرسته الفريدة والثرية بأعماله الجليلة والخفية حتى وهو مسجى على فراش الموت:

لقد كانت في حياتك لي عظات *** وأنت اليوم أوعظ منك حيا

وفي هذه الإلماحة السريعة أذكر مواقف من حياته رحمه الله قد استوقفتني كثيراً وما زالت ماثلة أمام عيني عالقة في ذاكرتي ؛ مدوناً لها في هذه المقالة لتبقى خير موروث تختزنه ذاكرة أبنائي وبناتي وأحفادي رجاء أن يقتدوا بها لإنارة حاضرهم ومستقبلهم

لم يبقى شيء من الذكرى نخبئه *** إلا الحنين ودمع في مآقينا

ومن جملة هذه المواقف والذكريات لوالدي رحمه الله تعالى:
o حرصه على حضور مجالس العلم وحلق الذكر بالمسجد الحرام وكان كثيراً ما يصطحبني معه في صغري لحضور هذه المجالس العلمية بأروقة الحرم وساحاته ولربما اعتراني النوم أثناء الدرس والشيخ يشرح ولا أفقه ما يقول:

مجالس العلم تروي كل قصتنا *** إن قلت حدثنا يحيى وسفيان

o حبه وإجلاله لأهل العلم ودعائه لهم وتأثره بوفاتهم ؛ وحين بلغه خبر وفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله جلس يبكي ويقول: “ما العيش بعد هؤلاء”.
o كان رحمه الله كثير العبادة فلا يترك صيام الاثنين والخميس والأيام البيض والقيام في جوف الليل مناجياً ربه سبحانه وتعالى:

عباد ليل إذا جن الظلام بهم *** كم عابد دمعه في الخد أجراه

o قضى حياته في مجاورة البيت الحرام ونادراً ما يسافر وكان يعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمسجد الحرام وإمامة مسجد حي “العتيبية” بجوار منزل الشيخ محمد السبيل إمام الحرم رحمه الله.
o يحرص على التبكير لحضور الصلاة فيذهب قبل الأذان للمسجد ولا سيما صلاة الجمعة فيرتب لها من الليل بتجهيز ملابسه وبشته وأدوات التنظيف ويغتسل مبكراً ويتبخر ثم يذهب لحضورها في حدود الساعة التاسعة صباحاً ولديه نسخة من مفاتيح الجامع ومسجد الحي.
o بنى رحمه الله مصلى خاص بمنزله لأداء السنن وقيام الليل وقراءة القران ؛ أشبه ما يكون بالخلوة كثيراً ما يجلس فيه.
o يتابع بشدة إذاعة القران الكريم عبر المذياع ولا تغلق في غرفته إلا عند سفره ويستمع كثيراً للقارئ الشيخ محمد سعيد نور رحمه الله وهو لمن لا يعرفه من السودان وعاش في مصر وكان له أسلوب متفرد في القراءة وقد انتقل إلى الكويت وعاش فيها إلى أن توفي بها.
o قام رحمه الله ببناء مسجد في مكة المكرمة على سفح جبل ( بريع ذاخر ) وكان كثيرا ًما يعتني به وبترميمه ونظافته وجلب المصاحف له ، وتجديد فرشه وأدواته الكهربائية وسداد فواتيره إلى أن لقي الله تعالى وهو سعيد بذلك :

ســل الجــبل الــــذي أبقــــاه حـــياً *** بمسجده وسل أين الإخاءُ
وسل عنه الحجون وسل طريقاً *** لسالكه بــذي الــــدنيا نجاءُ

o يحب الدعابة ويمزح مع من يعرف ويمنَّ عليه مع عدم المجاملة وحرصه على كلمة الحق وله في ذلك قصص كثيرة يعرفها بعض الأقارب والمقربين إليه.
o يحرص على صلة أقاربه وأرحامه ويتخولهم بالزيارة بين الفينة والأخرى ويتفقد أحوالهم ويهدي لهم على قلة ذات اليد وربما استدان من أجل بعضهم لقضاء حاجته ؛ ويحرص أيضاً على كفالة الأيتام ومساعدتهم.
o كان لديه دكان صغير في آخر منزله بحي (العتيبية) من الجهة الشرقية لبيع الحلوى وغالباً ما يقوم بتقديم شيئاً منها للكبار والصغار بالمنزل وكذلك عند قدوم أحفاده إحتفاءً بهم.
o غالباً ما كان يأخذ معه حلوى في جيبه لتوزيعها على الأطفال أثناء الطواف بالحرم وحين زيارته لبعض أقاربه بالأحياء الشعبية بمكة.
o عرف رحمه الله بكرمه وسخائه ومن شدة كرمه حرصه على إسكان بعض أقاربه في بيته ؛ الذين يأتون لمكة ولا مأوى لهم لحين تحسن ظروفهم فينتقلون برغبتهم طائعين.
o يحرص كثيراً على إيقاظ جيرانه لصلاة الفجر قبيل الأذان بنصف ساعة تقريباً وذلك بطرق أحد أعمدة الحي بعصاه وكان ذلك ديدنه

وسائل عن عصاه بيوت قوم *** إذا أقعى عن الفجر الأداءُ

o كان لديه قطيع من الغنم يرعاها ويشرب من ألبانها كل ليلة ؛ ويقوم بذبح بعضها إكراماً لضيوفه وتصدقاً على أقاربه وجيرانه .
o كثيراً ما يحكي لنا رحمه الله سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشيئاً من مواقفه الخالدة عبر التاريخ الإسلامي ، وبعد برهة من الزمن يقوم بسؤالنا عن هذه المواقف ليتأكد من رسوخها في أذهاننا كقوله لنا من هو الفاروق ؟

وما هي كنيته ؟ وما ذلك إلا لشدة حبه وإعجابه بهذه الشخصية الفريدة من نوعها :

فمن يباري أبا حفصٍ وسيرته *** أو من يحاول للفاروق تشبيها

o حين توفي رحمه الله حضر جنازته العديد من الأخيار والإخوة الفضلاء من أماكن شتى تلهج ألسنتهم بالدعاء له وذكر مآثره ؛ والحمد لله الذي جعل لك يا أبتي لسان صدق في الآخرين:

ليهنك ما رأينا من شهود *** بأرض الله كلهمُ ثناء

فرحمك الله يا أبي وغفر لك وتغمدك بواسع رحمته وأوفدك وفادة المقبولين ورفعك في عليين وجمعنا بك في جنات النعيم .. اللهم آمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عدد الزوار : 278393
السيرة الذاتية

صفحات الأنصار من أوائل المواقع التي قامت بالتعريف بالأنصار عامة وآل نافع منهم خاصة منذ إتاحة خدمة الانترنت للجمهور في…

المزيد
مقالات
عدد الزوار : 278393