“نبلُ القيادة.. وسُنَنُ المروءة”
من الذين تركوا في نفسي أثرًا لا تدرسه الأيام، ولا تمحوه السنون، الأستاذ الكريم، والمربّي النبيل: أحمد محمد محمود، إبّان تولّيه رئاسة تحرير جريدة المدينة. ورغم أن الفارق في السّن بيني وبينه لم يكن كبيرًا، إلا أن ما بيني وبينه من الفضل، وما له عليّ من التوجيه والرعاية، لا يُقاس بميزان العمر، بل بميزان القلوب التي تعرف كيف تزرع المعروف وتسقيه. كان لي أبًا روحيًا، وأخًا كبيرًا، ومربّيًا يصنع الرجال، لا بكثرة القول، بل بحُسن الفعل وصدق القدوة. كان يقودنا بسمت الوقار، وبقلبٍ كبيرٍ يأوي الجميع. لم تكن علاقته بمن يعملون معه علاقة رئيسٍ بمرؤوس، بل كانت أشبه بصُحبةٍ نبيلةٍ تظلها المروءة، وتحفّها مكارم الأخلاق. وما رأيتُ فيه خلقًا محمودًا، إلا وكان له طبيعةً لا تكلّفًا، ولا وجدتُ في مسلكه مَلمحَ عدلٍ أو أناةٍ أو تواضعٍ، إلا وهو له زيٌّ دائم، لا يتزيا به يومًا ويخلعه في غد. من أخص خصاله التي ظلّت ترسّخ فينا، وتُغرس كما تُغرس المبادئ العظيمة في تربة صالحة، فضيلةُ الصدق. فقد كان، إذا رُفع إليه خبر من الأخبار، أو مقال فيه معلومة قد يحيطها بعض الشك، لا يُكثِرُ من الأسئلة، بل يقول لك: “هل أنت متأكد؟”، فإن قلتَ نعم، مضى في نشرها، وكأنما يحمّلك أمانة الكلمة، ويُغري فيك ضمير المهنة. وكان لذلك الموقف من الأثر ما لا تفعله عشرات المحاضرات، فقد علّمنا به أن الصدق ليس مجرّد فضيلة، بل عهد يُؤخذ من كاتب الكلمة إلى حيثُ تَبلغ المعلومة. ومن أبدع ما رأيت له من سَنَن القيادة، حرصُه على ألا تتأخّر افتتاحية الجريدة عن الرابعة عصرًا، لما في تأخرها من تعطيلٍ للطباعة، واضطرابٍ في الشحن والتوزيع. وكنت أتشارك كتابتها مع زميل آخر، وكثيرًا ما يحصل أن يتوانى أحدنا، اتكالًا على أن الآخر سيتولّى الأمر. فإذا اشتكى قسم الإخراج التأخر، ورفع الأمر إليه، وكان خارج مقرّ الجريدة، أسرع بالعودة، لا ليُعاتب المقصّر، بل ليجلس في أقرب مكتب، ويكتب بنفسه، ويُسلّمها ثم يمضي. ولكم كان ذلك الموقف أبلغ في التربية من كل خطاب، وأفعل في التهذيب من ألف لائحة! أما مواقفه مع العاملين معه، فحدّث عن البحر ولا حرج! يُيسّر الصعب، ويتقدم قبل أن يطلب، ويغمر من حوله بثقته، حتى يستشعر كل من في المكان أنه شريك في صناعة الجريدة، لا مجرّد عامل فيها. كنتُ إذا خرجت في مهمة صحفية خارج المملكة، أجد أن رئيس التحرير قد جنّد كل علاقاته لتيسير مهمتي، وفتح الأبواب المغلقة أمامي، واستنفار أسرة التحرير كلها، لتكون ذراعًا لي وأنا على بعد آلاف الأميال، ولم يكن هو آخرهم، بل أولهم وأسبقهم. هكذا رأيتُ الأستاذ أحمد محمد محمود، وهكذا بقي في ذاكرتي: رجلًا من طرازٍ نادر، وقياديًا يجمع بين حزم العزم، ورقّة القلب، وسَنن المروءة. وإنّ في صدري لجُعبةً ممتلئة بمواقفه، كلّما فتحتها، نثرت عرفًا من الوفاء، وألقت قبسًا من سيرة رجل، كان من أنبل من شرفتُ بالعمل معهم على صفحات الصحافة، وسطور الحياة. عبدالرحمن بن محمد الأنصاري
Views: 379


اترك تعليقاً