النعمة بين امتحان الكرم ومحنة اللؤم
في الناس صنفٌ، إذا أقبلت عليهم الدنيا، كشفت عنهم ستر التواضع، وأزاحت عن وجوههم قناع البساطة، فانسلخوا من ماضيهم كما تنسلخ الحيّة من جلدها، وكأن الشظف لم يعرفهم، وكأن الخشونة لم تجاورهم في منزلٍ ولا مجلس. رأيتُ بعض هؤلاء، ممن رقّاهم الحظ فوق ما يُظن بهم، يتحدّث في المجالس حديث من يخالط الملوك، ويسامر أصحاب القرار، فيردد مزهوًّا: قال لي الملك… وقلتُ للملك…، حتى ليخيّل إلى سامعه أن للملك مجلسًا لا يُفتح إلا له، وهو في الحقيقة ما رآه، ولا رآه الملك! وهؤلاء لا تُخطئهم العين، فإن للوضاعة ـ وإن تزيّت بلبوس النعمة ـ ريحًا لا تخفى، وعلامات لا تُخطئها فراسة المتأمل. أما الكرام، فشأنهم آخر، فهم إن أيسروا، لم ينسوا من كان يؤانسهم في البيوت الخشنة، ويقاسمهم المرّ، ويآخيهم في العُسر قبل اليُسر، كما قال الشاعر: إن الكرام إذا أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشنِ لكن من الناس من فاجأته النعمة، فارتبك لها، وذُهل عن جذوره، فكان أول ما يفعله عند أول مطلع رخاء، أن يمسح من ذاكرته كل من عرفه يوم كان له كفٌّ يعمل، وبطنٌ يجوع، وسقفٌ يقرقع في الريح.. لأنه يحاول أن يوهم من حوله، أنه وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، وأن ما هو عليه وراثة لا طارئ، وشأنٌ قديم لا طارئ جديد! غير أن لكل قاعدة شواذّها، ومن شذّ في الخير شذّ في السمو، فقد حُدّثت عن رجل من علية القوم ووجهائهم، عُرف اليوم بسعة العطاء، وعِظَم الإحسان، أنه يعلّق في صدر مجلس قصره مكتلًا ومسحاة، هما رأس ماله يوم بدأ رحلته مع الكد والتعب. لا يُخفيهما، بل يجعلهما للعيون قبلة، وللقلوب عبرة، ليظل ذاكرًا أنه ما بلغ ما بلغ إلا برزق ساقه الله، لا بعلم منه، ولا بقدرة فيه. ذلك لأنه لم يُرِد أن يقول، كما قال قارون في غروره: “إنما أوتيته على علم عندي”. ولم يُرِد أن ينسى – في غمرة ما هو فيه – أصحابه في أيام الخشونة، ورفقاءه في دروب الشظف. فالنعمة، إن لم تزدك تواضعًا، فهي محنة في ثوب مزيّن. والكرم، أن تظل وفيًّا، وإن تبدّلت عليك الوجوه والمجالس. عبد الرحمن الأنصاري
Views: 10


اترك تعليقاً